المقريزي
267
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
عليّ بن الطّبّاخ « 1 » نشأ بمصر ، وخدم الملك النّاصر محمد بن قلاوون وهو بمدينة الكرك . فلمّا قدم إلى مصر جعله « إخوان سلار » « ( a » ، وسلّمه المطبخ السّلطاني ، فكثر ماله لطول مدّته وكثرة تمكّنه ، ولم يتّفق لأحد من نظرائه ما اتّفق له من السّعادة الطائلة ، وذلك أنّ الأفراح وما كان يصنع من المهمّات والأعراس ونحوها ، ممّا كان يعمل في الدّور السّلطانية وعند الأمراء والمماليك والحواشي ، مع كثرة ذلك في طول تلك الأعوام ، كانت كلّها إنّما يتولّى أمرها هو بمفرده . فممّا اتّفق له في عمل مهمّ ابن بكتمر السّاقي ، على ابنة الأمير تنكز نائب الشّام ، أنّ السّلطان الملك النّاصر استدعاه آخر النّهار الذي عمل فيه المهمّ المذكور ، وقال له : يا حاج عليّ اعمل لي السّاعة لونا من طعام الفلّاحين ، وهو خروف رميس يكون ملهوج . فولّى وجهه وهو معبس « ( b » ، فصاح به السّلطان : والك ما لك معبس الوجه ؟ ! فقال : كيف ما أعبس وقد أحرمتني السّاعة عشرين ألف درهم نقرة ! فقال : كيف حرمتك ؟ قال : قد تجمّع عندي رؤوس غنم وبقر وأكارع وكروش وأعضاد وسقط دجاج وإوزّ ، وغير ذلك ممّا سرقته من المهمّ ، وأريد أقعد أبيعه « ( c » ، وقد قلت لي اطبخ ، وبينا أفرغ من الطّبيخ تلف الجميع . فتبسّم السّلطان وقال : رح اطبخ وضمان الذي ذكرت عليّ . وأمر بطلب « ( d » والي القاهرة ومصر ، فلمّا حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزّفر إلى القلعة ، وتفرقة ما ناب الطّبّاخ من المهمّ عليهم واستخراج ثمنه . فللحال حضر المذكورون ، وبيع عليهم ذلك ، فبلغ ثمنه ثلاثة وعشرين ألف درهم نقرة ، « e ) » عنها ما ينيف عن ألف مثقال ذهبا « ( e » . وهذا مهمّ واحد من ألوف ، مع الذي كان له من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ .
--> ( a بولاق : خوان سلار . ( b بولاق : فولّى ووجهه معبس . ( c بولاق : وأبيعه . ( d بولاق : بإحضار . ( e - e إضافة من المسوّدة . ( 1 ) الحاج علي بن الطّبّاخ المعروف بإخوان سلار ، وصوابه « الخوان سلار » ، وهو لقب مختصّ بكبير رجال المطبخ السّلطاني ، القائم مقام المهتار في غير المطبخ من البيوت مثل : الشّراب خاناه والطّست خاناه . وهو مركّب من لفظين : خوان ، وهو الذي يؤكل عليه وهو معرّب ، والثاني سلار - وهي فارسية - معناها المقدّم ، فيكون معناه : مقدّم الخوان . وذكر القلقشندي أنّ العامّة تقول : « إخوان سلار » بألف في أوّله وهو لحن . ( القلقشندي : صبح الأعشى 5 : 471 ) .